![]() |
|
|||||||
| آخر 10 مشاركات |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
![]() ولد عمر حمدي (مالفا) في قرية "تل نايف" التابعة لمحافظة الحسكة الواقعة أقصى الشمال الشرقي من سوريا وفتح عينيه منذ اللحظة الأولى ومن خلال الظلمة على باقة من الألوان الحالمة ترقد بهدوء إلى جانب رأسه … هكذا تصف جانيت كوركيس زوجته السابقة لحظة مولده: (توقفت الصرخات حينما استنفدت إمكانية الضبط وخيّم وجع الليل الشتّوي على وجه الأم المسكينة وهي غائبة عن الوعي والوالد بعيد … عين ساهرة على الحدود خلال أدائه الخدمة الإلزامية … كان ذلك ليلة رأس السنة الميلادية 1949، توقّف فرح العالم بأسره لحظة الولادة وراحت عينا الطفل تبصر الظلمة بهدوء … ) .. " مالفا "، الذي ولد في قرية كردية صغيرة، مكونة من بيوت ترابية، لم ينقطع حلمه بالهروب، وكان هروبه الأول نحو الرسم. تناول أقمشة أكياس السكر البيضاء للرسم عليها، وحمّل لوحاته على ظهر شاحنة، برفقة الأغنام وأقفاص الدجاج، لتكون دمشق محطته، التي أقام فيها معرضه الأول. وبعد انتهاء المعرض، حمل لوحاته على ظهر عربة بثلاث عجلات، وتوجه إلى حواف مدينة دمشق. رماها على شكل كومة ما، ثم أشعل فيها النار، وهو يتأمل محرقة نفسه، حتى تحولت إلى فحم. ولا زال هذا الفحم يظهر في أعماله حتى الآن. وفي لحظة تشبه الحرق، سلّم نفسه إلى حافلة متجهة إلى بيروت، النافذة الأولى للهروب، وبجواز سفر مزوّر، وعلى ظهر سفينة لصيادي السمك، دخل البحر للمرة الأولى، وهو يحمل خوفاً أكبر من البحر. تحمّل عذابات الوصول إلى الساحة الفنية المخيفة في الغرب، فكانت " فيينا " المحطة المنتظرة لملامح لا تملك اسماً أو لغة. احتاج إلى سنوات ليتمكن من أن يكون اسماً، لم تعد فيينا تشكل له حلقة مغلقة، بقدر ما باتت محطة عمل هادئة لها استقرارها ومتعتها. و حول ما إذا كان اسم " مالفا " هو مجرد توقيع يرادف اسم عمر حمدي على أعماله الفنية، يقول الفنان حمدي : " مالفا هو اسم لوردة الختمية، وكنت أطلقته على مجموعة لوحات لي في أوائل ستينيات القرن الماضي، تلك المجموعة التي رميتها في بئر كانت تتوسط حوش منزلنا، وذلك خوفاً من غضب الوالد. ثم تحوّل مالفا إلى اسم لامرأة ، أو لطفلة، كان ناياً ورغيف خبز، لكن الغرب يفكر بطريقة أخرى، ومن أجل أن لا نساوم على الأشياء الصغيرة. كان مطلوباً مني تأجيل اسم عمر حمدي فيّ إلى فترة ما، فكان " مالفا " البديل ". ![]() يقول مالفا عن طفولته والوطن : حين جلستُ مع والدتي "نوره"، في دمشق، في منزل أخي "عصام"، وهي تجلس كعادتها على الأرض، واضعة يديها على وجع ركبتيها، سألتها: ماما، حدثيني عن ولادتي، وكيف كانت طفولتي؟. أجابت، بأنني ولدت في آخر الليل، في الشتاء، في بيت من طين، سقفه من خشب، في قرية صغيرة، أسمها "تل نايف"، الواقعة في الشمال من مدينة الحسكة، في أقصى الشمال السوري. كانت الغرفة مقسمةً إلى جزأين: قسم للنوم، وأخر للغنم. لم يكن والدك موجوداً، كان بعيداً، قالوا لي بأنه في الجيش، لم أعرف لماذا... كان جدك "حمدي"، وجدتك "يازي" معي، كنتُ سعيدة بكَ، كنتَ وسيماً مثلما الآن. رضّعتُك أكثر من سنة، في النهار كنّا مع الغنم، وفي المساء ننام. لم تكن لنا سوى إنارة قنديل صغير، وموقد جمر، ارتمت بها قدم عمتك "حليمة"، مرة، ولم تكن بعيداً عن الموقد، فوقعت عدة جمرات على رقبتك، وظلت آثارها ماثلة إلى الأن... "يازي" كانت قاسيةً عليَّ، وكانت تنتظر يوم قدوم والدك، حتى تتخلص منا، ونسكن بمفردنا في مكان آخر؟؟. لم تكن القرية كبيرة، فقط عدة بيوت معزولة في أرض مستوية. كانت القرية آنذاك تتألف من ثلاث أو أربع عائلات، تعيش حياتها على الغنم والقمح، أو تهريب التبغ، وقد مات بعض من المهربين على الحدود التركية، عند خط القطار- سكة الحديد. لقد هجر بعض سكان القرية بيوتهم بسبب شحة الأمطار، إلى مدينة "عامودا"، أو إلى "تل حجر"، على أطراف مدينة "الحسكة"، ثم ذابت تلك البيوتات المهجورة مع السنوات مع التربة. كذلك البيت الذي ولدتَ فيه... كنتَ حافياً، ترتدي رقعاً من ثيابٍ خيَّطتها بيدي. كنتَ تلعب مع الأغنام والعقارب، حتى صنع لكَ جدك لعبة من غطاء علبة الحلاوة المستديرة، مع قطعة خشبٍ ومسمار. في الخارج، كنتَ دائماً محمولاً على ظهر "حليمه". عاد والدك بعد زمن. وقتها كنت تقول لجدك "بابا". تركنا بيت جدك، وسكنا على أطراف نهر "خابور"، في قرية "أم حجرة": حمار، فراش واحد، لحاف، وعدة أغنام، كان هذا كل ما نملكه. والدك لم يكن يتحدث معي، وكنتُ حزينة في "أم حجرة". كنتَ ترعى الغنم، وكان والدك يعمل مع الحصادين في الصيف، وجاء الشتاء، فتزوج فتاة من الجيران... كنا جميعاً نسكن في غرفة واحدة. كنت تنام باكياً، لأن والدك كان يضربني بسبب الزوجة الجديدة. كان أصدقاؤك الجدد "حسنو وبرّو" شباباً، لكنهما كانا مجنونين، كنت تمضي أغلب أوقاتك معهما، تحت الجدار الخلفي، أو تجلبون من الدروب الترابية روث الحمير، كنت أجففها، وأستخدمها وقوداً للتنور. ذهب، مرة والدك إلى "الحسكة"، وأحضر لوحاً مدهوناً بالأسود، وطباشير بيضاء، وراح يعلمك الكتابة والقراءة، لأنه لم تكن بعد، في القرية مدرسة... كان ظالماً وقاسياً عليك... - ولماذا كان يضربني الوالد ماما؟. - لأنك كنت ترسم بالطباشير على تلك اللوحة، أثناء غيابه. - وماذا كنت أرسم؟. - لا أعرف. جميل بأن والدتي لا تعرف القراءة والكتابة حتى اليوم... أتذكر بأنني ربما كنت في السابعة من عمري، حين أُنشئت غرفة من الطين في القرية، لتكون مدرسةً. وجاءنا معلم من المدينة، يتكلم بالعربية، لكننا_أطفال القرية- لم نكن نتكلم إلا بالكردية. كنا نأكل التراب سراً، وكانت تخرج من مؤخراتنا ديدان صغيرة بيضاء، حتى أحضر والدي، ذات مرة، شراباً، وشربته، فخرجت ديدان كبيرة مني، بعدها لم أعد آكل التراب... في المدرسة، كان اللوح الأخضر الكبير، كان اللوح كتبنا ودفاترنا. كانت مقاعدنا من علب الحلاوة الكبيرة، أو علب التمر. حفاةً، في الخارج، كان التلاميذ يلعبون بكرة من قماش، بينما كنت أخربش على اللوح الكبير ما أريده. كان خطي جميلاً، من بين أصدقائي، وقد تعلمته خوفاً من والدي، لكن الحرف، كان بداية إلى الشكل... بعد ثلاث سنوات، انتقلت عائلتي إلى حارة "تل حجر"، في مدينة "الحسكة"، حيث استقر فيها الأكراد المهاجرون من القرى النائية. في"تل جحر"، اشترى والدي بثمن الغنم، قطعة أرض صغيرة، وبنينا من حجر وطين، بيتاً من غرفتين، له باب أخضر، وعلى حوافه خطوط بالقلم، بعدد "تنكات" الماء التي كانت تنقلها لنا البلدية. ثم حفرنا بئراً في وسط "الحوش"، أو الدار. كنت أنام في أيام الصيف فوق السقف، وكان مليئاً بالعشب اليابس. كان أهلي يفترشون فرشهم ولُحفهم الملونة على "عرزال" من عيدان القطن اليابسة، كان مكاناً تختبئ فيه العقاربُ. مدرستي لم تكن بعيدةً لكنني، بعد سنة، كنتُ أذهب إلى المدرسة الإعدادية في المدينة، مشياً على الأقدام، وبعد الانتهاء من ساعات الدروس، أي بعد الظهيرة- كنت أعمل في الطرقات، أبيع كعكاً أو بوظةً، أو في مطعم، وكنتُ أعود في المساءِ، ومعي ليرتان أو ثلاث، لتشتري فيها والدتي، كل صباح، لبناً وخبزاً وشاياً لإفطارنا جميعاً. كان والدي يعمل في حفر المجاري في شوارع المدينة، ولم يكن راتبه الشهري يكفي لعائلة، صارت مؤلفةً من تسعة أشخاص. كنتُ أكره المدرسةَ، والكتب المدرسية المهترئة، مثل دفاتري. إفطاري في المدرسة، كان غالباً ضرباً من المعلم، بِعِصيٍّ من الخشب الطري على يديَّ أو قدميَّ، كان بنطالي مبللاً كل يوم. رفاقي في المدرسة كانوا يسمونني بـــ "الماعز"، لأنني لم أكن نظيفاً. كنت كسولاً في كل شيء، ما عدا الرسم، ولم يكن أحدٌ يهتم بذلك، مثل والدي، وهو يصرخ بي كلَّ يوم: "لن تكونَ يوماً سوى حمَّالاً في سوق الخضرة، لأنك من أمٍ كهذه". أعتقدُ، اليومَ، بأن والدي كان على صوابٍ: لقد أمضيتُ حياتي، وأنا أحمل لوحاتي وأدواتي، من مكانٍ إلى آخر... في الصيف... وفي الصباحات الباكرة، كانت والدتي تضع لي رغيف خبز، وبندورتين في ربطة قماشٍ، وأنتظر مع مجموعة من بنات، لتنقلنا شاحنةٌ مكشوفة مغبرة إلى حقول القطن. كانت الأغنيات والغبار يملأ، بانحناءة ظهورنا إلى الأرض، فراغ المكان، كانت ثياب الصبايا بلون العرس، ودكاكين السكاكر. في المساء، نعود مع الصمت، كومةٌ يلُفُّها التعب والغبارُ. بعد "الإعدادية"، كان لي خيارٌ واحدٌ: أن أدخل مدرسة تأهيل المعلِّمين، لأنها كانت تقدِّم راتباً شهرياً بسيطاً للطلبةِ، وكان إلزامياً بأن نتخرَّجَ معلمين، توزعهم وزارة التربية، من دمشق، حسب ما تراه مناسباً. كان راتبي هذا مساعدة صغيرة لراتب والدي المرهق دائماً، فذهبتُ إلى "دارٍ للسينما"، واستطعتُ العملَ فيها كخطاطٍ ورسَّامٍ وقاطع تذاكر وكنَّاسٍ. كنتُ أتمتع في أوقات الفراغ بمشاهدة كل الأفلام مجاناً، ثم أركب دراجتي، آخر الليل، إلى "تل حجر"، حيث كانت والدتي تنتظرني، لتضع على قدميَّ المتورمتين عجيناً من سَمنٍ ساخنٍ وشَعرِ ماعز وملحٍ. أتعشى بخوفٍ، حتى لا يفيق والدي، وتبدأ الشتائم، وأنام... في المعهد، كان يدرسُنا، أساتذةٌ قادمون من دمشق، أو من الجنوب. كان من بينهم أساتذة رسم مختصين، إلاَّ أن اهتمامهم لم يكن واضحاً لما كنتُ أرسمه بشكل مدمنٍ. كنتُ مع صديق لي: "بشار العيسى"، أكثر الطلاب قدرةً على الرسم. وكان الأساتذةُ، حين تقام المعارض السنوية في آخر السنة الدراسية، يحتفظون بأعمالنا، بمبرر أنها كانت تُرسم بمواد يقدمها المعهد لنا، إلى أن بكيتُ مرة على باب غرفة المدرسين، مطالباً بلوحة واحدة لي. كانت اللوحة لـ"والدتي وهي تعجنُ" بيدين مكسورتين من ضرب الوالد لها... كان يرميها بأي شيء يقع تحت يديه. تعلمتُ الرسمَ على الأحجام الكبيرة في تكبير ملصقات أفلام السينما، وتعلمت البكاءَ أكثرَ، وأنا اكنسُ تحت مقاعدها، بعد انتهاء الفلم. في هذه الفترة، بدأت أوجاعٌ في ظهري، في الفقرات القطنية، ولم أذهب إلى طبيبٍ، لأنني لم أكن أملك نقوداً، ولم أذهب إلى المستشفى الذي كان يدخله المريضُ، ليخرج ميتاً، ولازلت أشتكي من آلام ظهري كل يوم، كلّما حملتُ شيئاً، أو برداً... كنتُ أرسم في السِرِّ، بعيداً عن معرفة والدي. كنت أشتري ما أستطيعه من ألوان، وأرسم على قماش أكياس السكر. وبشفرة حلاقة، كان أخي "عصام" يجمعها لي، أرسم وجوهاً لحصادين ورعاة غنمٍ. كنت أرسم والدي أو أخوتي، وبدأت أحلم بأن أقيم معرضاً في دمشق العاصمة، المدينة الكبيرة، التي كان يعيش فيها فنانون كثيرون، وفيها صالة عرض خاصة تابعة لوزارة الثقافة، حسبما كنتُ أسمع ذلك من خلال الراديو، الذي أشتراه والدي، ببطاريته الكبيرة، مثل قطعة بلوك الأسمنت. كنا نجلس حوله، ونتأمله بدهشة، كنا نظنُ أن ثمة بشراً صغاراً يسكنون في داخل الجهاز، نستطيع سماعهم... وحين انتهت البطارية الكبيرة، فتحتها، كان فيها مادة بلاستيكية سوداء، جعلناها في أفواهنا، مثل اللبان... وأشياء أخرى، لم نعرفها، لها رائحة غريبة. ![]() كنتُ أحلم أن أعرض أعمالي في دمشق، ليس في الحسكة. من يبدي أهتماماً بالرسم، كان الرسم عاراً، سوى كنيسة أرثوذكسية، كلفتني ذات مرة برسم القديسين، ثم لم توافق على ما رسمته، لم تكن لوحاتي تناسب تصورات القيمين، فمزقت اللوحات بسكين صغيرة حادة. مرة، أذكر، قدم لي محافظ "الحسكة"، مائة ليرة سورية، لأرسم لوحة كبيرة بقياس متر مربع على لوح من الخشب لوجه "غيفارا"، وبعد إنتهائها، حملت اللوحة ليلاً على رأسي، من تل حجر إلى الحسكة، مشياً تحت المطر، وسلمتها إلى حراسه. بعد أيام، وصلتني هدية منه: نسخة من كتاب "الأم"، لمكسيم غوركي، قرأت الكتاب السميك. كانت أول رواية أقرأوها، ثم قرأها والدي، وأعجب بالكتاب. ثم حاول كثيراً جمع الروايات الروسية المترجمة، التي كانت توزع بالمجان آنذاك. وعن طريق والدي، قرأت "أرض الأم"، لأنطوان تشيخوف، ورسمت مجموعة "مالفا"، إسم الوردة التي ذُكِرت في الكتاب، ثم رميتُ بهذه المجموعة في البئر، خوفاً من الوالد.... قرأت كتباً كثيرةً، ثم تعرفت على رسام اسمه "صبري"، وآخر أسمه "عمر حسيب"، كان "صبري" يأتي إليَّ غالباً، وهو يحمل لي من المدينة صندويشاً وخياراً وخبزاً أبيض. كان يرسم بفطريته. كنا لا نعرف حدوداً للفن، أكثر من لوحاتنا، لم نرَ يوماً كتاباً أو مجلداً عن الفن. كنا نعلم بأن دمشق هي المحطة الرئيسية لأحلامنا... وكنا نحلم بقطعة قماش، بماسورة لون من صنع "الصين". كان والدي يخبئ في الليل، من حين إلى آخر ضيوفاً، يأتون إلينا خلسةً، لأنهم يعملون في السياسة، وكانوا مطلوبين من قبل الدرك. كنت أسمعهم، وأنا جالس في زاوية الغرفة المربعة، وهم يلهجون بأسماء في أحاديثهم: "لينين، ماركس، وإنجلز". كنت ثرياً في الصيف، كنت أمتلك علبة حلاوة ملأى بالكرات الزجاجية الملونة: أخرج من البيت حيث يتجمع عدد من أطفال الجيران، فأقف على مسافة منهم: خجولاً، نحيفاً، وفي جيبي كرتان زجاجيتان ملونتان. وحين يُسمح لي باللعب معهم، كنت أربح كراتهم، لأنني شديد التركيز، لكنهم كانوا يضربونني في كل مرة، فأهرب إلى البيت، مختبئاً في زاويته. كنت أكره الجميع: كنت أكره والدي، أكره العودة إلى البيت، لذلك غالباً ما كنت أنام في بيت جدي. مع بداية السنة الأخيرة من دراستي في معهد إعداد المعلمين، تعرفتُ على شاب، من عائلة غنية "حسن حمدان". كان لهم بيت كبير، وأرض شاسعة، كان يحب الرسم، ويملك الكثير من مواد الرسم. كنت أذهب إليه من حين إلى آخر، لأرسم بمواده الوفيرة، شريطة أن يوقع هو باسمه على اللوحات، وكنت مسروراً بذلك. كان يهزأ مني دائماً، لأن لغتي العربية ليست سليمة مثل لغته!. ![]() أنهيت سنتي الأخيرة في المعهد بنجاح، وكنت سعيداً بأن أصبح معلماً، وبأنني لن أذهب إلى المدرسة بعد الآن. ثم عملت في الإحصاء. ومضى الصيف، منتظراً مع زملائي نتائج التعيينات. كانت والدتي قلقة، حين عرفت بأن على المعلمين في الشمال، العمل في الجنوب، وعلى المعلمين في الجنوب، العمل في الشمال. لم أكن أعرف لماذا!. لكنني، كنت أنتظر قوائم التعيينات كل يوم أمام اللوح الزجاجي المعلق على جدار في مديرية التربية في مدينة "الحسكة". وجاءت القوائم من دمشق... بحثت عن اسمي، فلم أجده. كنا أثني عشر معلماً، لم توافق الأجهزة الأمنية على تعيننا. عدت باكياً إلى البيت, في اليوم الثاني، ذهبتُ إلى مدير التربية، كان اسمه "خضور"، وكان سابقاً مديراً للمدرسة التي كنت أدرس فيها. امتزجت كلماتي بالبكاء، فوعدني بكفالته الخاصة أن أتعين معلماً حراً للحصص الفنية، في مدارس المدينة، ومؤكداً لي بأن زميلاً لي، اسمه "حسن حمدان"، كان يكتب تقارير عني، ويسلمها إلى الأجهزة الأمنية– المخابرات، وبأنه (أي المدير خضور)، كان يعرف جيداً بأنني لم أكن أكثر من رسام، ولم تكن لي أية علاقة، أو لقاء، أو حوار مع أية جهة سياسية..... وبالفعل، مع بداية السنة الدراسية الجديدة، عُيّنتُ معلماً لمادة الرسم، وبدأت أرسم بغزارة مع راتبي الذي مُنحتُ جزءاًً قليلاً منه لشراء المواد الفنية، وتسليم الباقي للوالد... رسمت خمساً وثلاثين لوحة (مجموعة الحصاد)، بعت دراجتي، وضعت اللوحات في صندوق خشبي، صنعته بيدي، وصعدت مع الصندوق إلى ظهر باص قديم طويل، متجهاً إلى دمشق... ولم أكن الوحيد على ظهر الباص، كان معي آخرون يحضنون غنماً أو دجاجاً، وهي المرة الأولى التي أبتعد فيها عن والدتي وأخوتي، وحيداً مع صندوق مليء بالعذابات والآمال والأحلام الكبيرة. كان الطريق إلى دمشق، طويلاً. لم أر شيئاً بسبب الظلام، وعند الصباح الباكر، ونحن ندخل المدينة الكبيرة، توقف الباص في مركز المدينة "المرجة". أنزلت الصندوق بمساعدة عتالين. وضعناه في عربة مكشوفة بثلاث عجلات، جلست جانب السائق، طالباً منه إيصالي إلى قاعة المعارض الخاصة بوزارة الثقافة في شارع "أبو رمانة". وضعت الصندوق على مدخل الباب، دخلت غرفة المدير "عفيف بهنسي". كانت ثيابي وسخة، غبار لحيتي وشعري وحذائي، كان يشبه صندوقي في الخارج. - "نعم"؟! قال المدير. - إسمي عمر حمدي، من الحسكة، من الشمال، أحضرت لوحاتي، لإقامة معرض هنا. - من الحسكة؟!، سأل مستغرباً، وهل حصلت على موعد للعرض؟. - لا... كيف يمكنني ذلك؟. - يجب إحضار اللجنة- لجنة التحكيم، لتوافق على صلاحية اللوحات للعرض، ثم يحدد موعد للعرض. - أنا هنا، للمرة الأولى ولا أعرف أحداً، هل يمكن أن يتم ذلك بسرعة؟. هز رأسه، نظر إلي بعينين حادتين، فخفت أن أبلل بنطالي، لكنه، ابتسم بهدوء، ربما لحالتي البائسة، ثم وعدني بأن يتصل باللجنة، وطالباً مني العودة بعد يوم... وضعت اللوحات في صالة العرض الفارغة، لم يساعدني البواب بجرِّ الصندوق معي إلى الداخل. خرج المدير من غرفته متأملاً اللوحات الحمراء، قائلاً بصوت مريح: "غريب... هذه مجزرة..."، ثم تابع: "أنا أيضاً أرسم، وأحمل الدكتوراه في تاريخ الفن...". ودعته بصمت، وخرجت... خرجت إلى الشارع الكبير، تأملت المبنى، مشيت ببطء، عائداً إلى مركز المدينة، أبحث عن فندق رخيص أنام فيه. في فندق "دار الفرح"، حصلت على إسفنجةٍ وسخة دون غطاء، مددتها على أرض باحة الفندق، ونمت، كما أنا. ![]() في الصباح أيقظتني أصوات الباعة وصخب المدينة، بحثت عن مكان آكل فيه، اشتريت صندويشة "فلافل" كبيرة، جلست في حديقة، وأكلت مثل رجل قادم من العصر الحجري. ذهبت إلى قاعة العرض، انتظرت خارجاً، إلى أن جاءت اللجنة، وكانت مجموعة من الفنانين وناقد، كنت أقرأ أسماءهم في الصحافة، وكنت سعيداً بأنني الآن بينهم... تذكرت كلمات والدي قبل سفري: "أنت فنان فاشل، ونهايتك ستؤول إلى أن تكون حمالاً في سوف الخضرة". كان من بين اللجنة: "غازي الخالدي، عيد يعقوبي، ممدوح قشلان، وعبدالعزيز علون". تقدم غازي بحيويته، ورحّب بي بشدة، مادحاً أعمالي، وبأنها مفاجأة في الحركة الفنية السورية، "مفاجأة من الشمال"، فأحببته على الفور... ثم قررت اللجنة مراعاةً لظروفي الخاصة، أعطائي مدة أسبوع واحد للعرض، أي في الفترة الشاغرة بين معرضين. ثم أخذني غازي معه إلى جريدة "البعث"، حيث كان يكتب فيها، وأحضر المصور، ثم أجرى "غازي" حواراً مطولاً معي. بعدها أخذني إلى بيته في المساء، وقدم لي طعاماً كثيراً ومتنوعاً، لم أذقه من قبل. في المساء، علقت اللوحات، وعلى عجلة، طبعت بطاقة، تحمل اسم اللوحات والأهداء– كان الأمر هكذا سابقاً- أذكر بأن الأهداء كان: " إلى والدتي... التي حمَّلتني كل هذا العذاب". افتُتِح المعرض في اليوم الثاني، وحضر حشد كبير من الفنانين، كما حضر وزير الثقافة آنذاك "فوزي الكيالي"، وبعثة تلفزيونية. كانت اللوحات مثل شريط أحمر ملتهب، تغلف جدران القاعة بالوجوه المتراصة: وجوه الفلاحين والرعاة، وفي أيديهم عناقيد نايات، أو أرغفة خبز. لم يقدمني أحد للحضور، كنت غريباً بينهم، وكان الصخب عالياً، فخرجت بعد أن فرغت الصالة. أخذني عيد يعقوبي مع مجموعة من طلاب كلية الفنون إلى مرسمه، حيث كان هناك "يوسف عبدلكي". أحببت أصدقائي الجدد، وشربت أول كأس عرق لي. في اليوم التالي زارني "يوسف عبدلكي"، وتغديت عنده في البيت. لمحت شقيقته من خلال مصراع الباب المفتوح من غرفة إلى أخرى، تأملت رسومه الكاريكاتيرية، التي كان ينشرها آنذاك في الصحف. أحسَّ، بأنني أُبدي اهتماماً خاصاً بجمال شقيقته..، لكنه، أوحى لي بسرعة بأنهم مسيحيون، وأنا لست كذلك، فسألته: "ولماذا لستُ مسيحياً؟"، فأجابني وهو يضحك: "لأن اسمك عمر حمدي... وهو إسم مسلم". لم أكن أعرف ذلك من قبل. مضت الأيام السبعة من العرض، لم يحضر أحد، بعد ليلة الافتتاح سوى البواب، الذي لم يفكر مرة واحدة، بأن يقدم لي كأساً من الشاي... لم تبقَ أية نقود معي، في المساء، قدم لي "يوسف" مع صديق له كان يكتب القصة القصيرة، أجر العودة بالباص إلى الحسكة... وفي الصباح وأنا أغادر الفندق، تذكرت والدتي ووالدي من جديد... لم يُبع من لوحاتي، سوى اثنتين، اشترتهما وزارة الثقافة، ولم أقبض ثمنهما حتى الأن. "ماذا أفعل"؟، ساءلت نفسي طيلة الطريق مشياً إلى قاعة العرض. "كيف سأواجه والدي؟". أين أخبئ هذه اللوحات العزيزة علي"؟. أسئلة كثيرة ظلت تراودني، وأنا في الطريق إلى القاعة. أنزلت اللوحات، ربطت جميعها بحبل، وضعتها في الصندوق الكئيب، ثم أحضرت من جديد عربة نقل، وطلبت من سائقها بأن يوصلني مع صندوقي إلى مكان ما خالٍ، خارج المدينة، مكان تجمع فيها القمامة، فقال: "زقاق الجن". هناك أنزلت الصندوق، أخرجت اللوحات، وأشعلت فيها النار، أحرقت الكومة الملونة. راحت النيران تمر بِرويّةٍ على الوجوه المرسومة بالأحمر، ثم نبضت الكومة بلهيب كبير، مما جعل السائق يهرب بعربته سريعاً. تشوهت الوجوه والأيدي مع النار، أحسست أنها أصبحت أجمل من قبل، شعرت بالبرد... وأنا في شهر تموز. جلست متأملاً طيلة الوقت جنون النيران والدخان والألوان، حتى تحولت جميعها إلى كومة داكنة صغيرة تأملتها، وغبت عن الوعي... بعد يومين، خرجت من مستشفى "المواساة"، متجهاً إلى محطة الباصات باتجاه الحسكة. عدت إلى البيت، حاضناً والدتي وأخوتي، ثم جاء والدي، فأسرعت والدتي وهي ترمي بثقلها تحت قدميه، راجيةً منه ألا يضربني على ما فعلته، ووعدته ألا أرسم ثانية بعد الذي حصل. وتمر الأيام... لم أقدر على ملامسة اللون، لقد تحولت شخوصي المحترقة، إلى كابوس مرعب تزورني في النوم. كانت والدتي تخاف علي من الجنون، حتى أن والدي أقترب مني مرة، وقدم لي سيجارة، قائلاً: "لقد أصبحت رجلاً، ويمكن أن تدخن بدءاً من اليوم". في هذه الفترة، بدأت الصحافة السورية، تنشر تباعاً أخباراً ومقالات عن المعرض، وعن عملية الحرق، لأنه يبدو أن سائق العربة، قد عاد إلى صالة العرض، وأخبرهم بتردد، بأن الشاب الذي حمّل صندوقه معي، أحرق اللوحات والصندوق في قمامة "زقاق الجن". لا زلت أهرب من حضور الكومة السوداء في الذاكرة. استطعت نسيان اللوحات، لكن، تلك الكومة الملعونة، لم تفارقني إلى اليوم). ..... يتبع ....
__________________
ينسى الغفا عيوني إذا بنساكون
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل] |
|
#2
|
||||
|
||||
|
كنت حزيناً شروداً في شوارع دمشق, كنت أكتب شعراً وهذياناً... كنت غريباً، أحلم بقدوم الموت، بدلاً من الانتظار اليائس لخلاصي من عملي في الخدمة العسكرية... كنت أحلم بالتفرغ للرسم مثل أصدقائي "لؤي كيالي"، و"وحيد مغاربة"، وأحلم مثل الذين يسافرون في بعثات إلى أوروبا لدراسة الفن. كنت أحلم بالسفر إلى أي مكان يبعدني عن كل شيء... كنت سجين عملي، سجين الألم والآمال المقتولة. ذات مساءٍ، كنت نائماً كعادتي على الكرسيين العزيزين عليّ في مكتبي في المجلة، يمر القائد بصحبة آخرين، ويبدأ بالصراخ في وجه مدير مكتبه "جوزيف صانصيل": "لماذا ينام عمر هنا؟". - يبدو أنه تعب من العمل فنام... سيدي. فتحت عيني، وصرخت: "لا..."، وأنا أبكي. "لا... ليس لي مكان آخر أنام فيه، سيدي القائد". فوجئ "القائد"، بما قلته، فأمر بتأمين سكن لي بأسرع ما يمكن، وتم ذلك في منطقة "دُمَّر"، الواقعة غربي دمشق. حصلت على شقة صغيرة غير مكتملة، سكنت فيها، وجمعت لوحاتي الموزعة بين الأمكنة المهملة عند أصدقائي، وعدت أرسم من جديد، وأجهز الشقة تمليطاً ونوافذ وحماماً... الخ. كانت سيارة عسكرية قديمة وصغيرة تُقِلُّني كل يوم إلى مكان عملي. رسمت للقائد لوحات كثيرة، لم أستلم مقابلها ليرة واحدة، ورسمت لوحات أخرى، أقمت بها معرضاً في دمشق، ثم في متحف حلب. هناك، تعرفت على فتاة ضئيلة الحجم "جانيت كوركيس"، كانت تأتي مع صديقي "صلاح الدين محمد"، إلى دمشق، لتنشر مقالاتها في المجلة. ولأنها لم تكن تعرف أحداً في دمشق، عرضت عليها أن تنام عندي، فقبلت، لكنها، لم تقبل محاولة أقترابي منها... كانت تنتظر من صديقة مهاجرة لها في كندا، مبلغاً من المال، لتتمكن من السفر، ولتتزوج هناك أحد أقاربها. سافرت لكنها تركت فراغاً ما. كنت أرسمها طيلة تلك الفترة، وسميت هذه المجموعة ب"مالفا"، وبيعت كل هذه الأعمال. ثم عرفت بأنها في "روما". بعد ذهابها إلى كندا، وصلتني رسالة منها، تتحدث فيها عن حالتها الصعبة، وبأنها تعاني من مرضٍ ما. لم يكن عندي سوى مجموعة أعمال غير منجزة بالكامل، أرسلتها مباشرةً لها، لتبيعها هناك، وتُسيِّرَ بأثمانها أمورها هناك... وذات صباح، فوجئت بأنها واقفةٌ أمام مدخل المجلة، تنتظرني. لم أصدق عينيَّ، وفي تلك اللحظة، مزّقتْ جواز سفرها، لئلا تسافر ثانية. كانت "جانيت" حزينةً، لأنها لم تستطع العودة إلى كندا، ولأنها لا تعرف أحداً سواي. كانت "يتيمةً" كما تقول. ومن خلال الأيام القادمة، قبلتْ، اقترابي منها. ثم رزقنا بطفل أسميته "ليبرتي"، بينما أسمته هي "أوليفر". بعد أشهر قليلة، سافرت مجدداً مع "اوليفر" إلى بيروت، حيث أقاربها هناك، ولم تستطع العودة بسبب الحرب الأهلية آنذاك. أرسلت إلى أهلي ليحضروا إلى دمشق. بعت الشقّة بسبعين ألف ليرة سورية. وَدّعتُ أهلي على سطح فندق في دمشق، لم تنم ليلتها والدتي، ودعت أصدقائي القلائل... دون أي جواز سفر، دون أية وثيقة رسمية، سوى هويتي الصحفية، التي عبرها اجتزت الحدود إلى لبنان. في بيروت الحرب والدمار الكبير... استطعت الاتفاق مع سائق تاكسي، أو "مهرب"، بإيصالي إلى المكان الذي تتواجد فيه "جانيت وأوليفر". ![]() لم يكن ذلك سهلاً، انتظرت أياماً اختبأت فيها في الأقبية المتهدمة، إلى أن أخذني السائق الأرمني، وسلمني عدة هويات بأسماء مختلفة، طالباً مني بأن أظهر كل واحدة حسبما يقوله لي في الطريق، وعند الوصول إلى كل نقطة تفتيش عسكرية... أخيراً وصلت إليهما: كانا يختبئان في قبو إحدى الكنائس. أمضينا أياماً مرعبة، وتعرفت على الراهب "جورج صليبا"، وساعدنا في شراء جوازات سفر لبنانية. وفي ليلة داكنةٍ، خرجنا من بيروت، حيث كانت تنتظرنا سفينة صيد السمك، لتنقلنا إلى قبرص... كان البحر الذي أراه للمرة الأولى قاتماً ومخيفاً، وأنا أحضن طفلي متكوراً، أقنع نفسي بالراحة المميتة، ممتلئاً بالخوف. لوحة "الأزرق الكبير"، تلاشيْ الأفق الجبلي، أحسست وكأنني أترك جسدي دفعة واحدة. أحسست بأن الملايين من الذكريات تخرج من الزرقة الداكنة: وجه أمي، أخوتي، أصدقائي، فقراء قريتي، حقول القمح الأليفة، أعشاب السطوح، السنوات التي كنت فيها أبحث عن الحرية، تداعيات وهواجس مبعثرة، ظلَّت يقظة معي مثل الليل... نامت "جانيت" على كتفي، وأنا أبحث عن "الله" في الفراغ الكبير... عرفت أنني لن أعود ثانيةً. دامت الرحلة ثلاثة أيام، كنا نتقيأ الخبز والماء الذي نحصل عليه من البحارة. لم أكن أعرف أية لغة أجنبية، و"جانيت" كانت تتحدث الإنكليزية ببطء... سُلِّمنا إلى شرطة الميناء كمهاجري الحرب... ومن هناك أُرسلنا إلى "فيينا" مروراً ب"أثينا". في فيينا كان الوقت مساءً، فوجئت بكآبة المدينة القديمة وخلوِّها من البشر. أوصلنا سائق التاكسي إلى العنوان الذي كنت أحمله معي، من الراهب"جورج صليبا" إلى الراهب "آيدين"، في فيينا، الذي أرسلنا الى قرية "ترايسكرخين"، التي كانت تشبه ثكنة عسكرية كبيرة، مكتظة بالمهاجرين، من كافة انحاء العالم. وبعد إتمام الإجراءات والأسئلة الكثيرة، منحونا ثياباً وأغطيةً ومكاناً للنوم. أصاب "أوليفر" إسهال حاد، ثم تحسن بعد أيام. كنا نقف في طابور طويل كما هي الحال في الجيش، صباحاً ومساءً، للحصول على طعام لم نذق مثله من قبل... قطعة من لحم الخنزير المبخر، شوربة، وقطعة خبز كبيرة... مضت أيام، لم أكن أصدق فيها بأننا وصلنا النمسا حقاً، بلد الموسيقى والفن والأحلام... بعد حوالي الشهر من وصولنا، سُلِّمتْ لنا جوازات خاصّة بلون أخضر، خاصّة بالمهاجرين أمثالنا. وكان علينا أن نترك هذا المقر الكبير، الذي كان يضم قصصاً بعدد نزلائه من كل أنحاء العالم. كان هذا المقر معسكراً خاصاً بالأمم المتحدة. خرجنا نبحث عن سكن في فيينا، وعن طريق الراهب "آيدين"، حصلنا على شقة قديمة رطبة. لم تبق معي أية نقود، وكان علي البحث عن عمل، فسألت "آيدين"، عن معنى كلمة الفنان بالألمانية، فقال: "مالر". سجلت الكلمة على قصاصة، وذهبت الى مركز تأمين العمل، سلمت القصاصة للسيدة الموظفة هناك، فأعطتني ورقةً فيها عنوان ما، في احدى ضواحي فيينا، فذهبت. كانت شركة لدهن البيوت، فعملت دهاناً. ثم التحقت "جانيت" بمعهد لتعليم اللغة الألمانية مجاناً، وكان "أوليفر" يبقى عند سيدة نمساوية عجوز، كانت جارتنا في البناء الذي نسكنه، وكانت هذه الجارة تطلق عليه إسم "آرنست"، وهو إسم نمساوي، لأن "أوليفر" كان أقرب الى الشقرة، وتقول بأنه يشبه النمساويين. كنت أرسم مجموعة لوحات، كلما توفرت لي المادة والوقت. ذهبتُ بلوحاتي إلى صالات العرض ودكاكينها، واحدة تلو الأخرى، لم تقبل صالة واحدة بعرض أعمالي، إلى أن تعرفت على دكان صغير لبيع اللوحات التجارية. فطلبوا مني أن أرسم زهوراً وأشجاراً... لم أكن قد رسمت ذلك من قبل، ومع ذلك، وضعت لوحاتي في زاوية الغرفة الكبيرة، وبدأت أنسخ لوحات لفنانين إنطباعيين. بعد أسبوع، ذهبت بعشر لوحات صغيرة طرية الى الدكان. اشترى صاحب المحل مني لوحتين بسعر رمزي، وأعاد الباقي إلي. مضت الأسابيع وأنا أرسم، لم أترك تجربة أو تقنية، إلا وحاولت العمل بها في رسم الطبيعة، لكن المحل، ظل يشتري القليل مني. ولم يكن ذلك يكفي لتسديد التكاليف التي أصرفها ثمن القماش والألوان. ثم عملت "جانيت" في معمل للمخللات، ثم عملتُ أيضاً هناك. وفي المساء كنت أمُرُّ على محطة القطارات الكبيرة، كنت أنتظر مع المتسولين والسكارى، وجبة شوربة ساخنة أو ثياباً، كانت توزعها علينا إحدى الدور الخيرية. ![]() تعرفت على تاجر لوحات تجارية، كانت له عدة دكاكين في فيينا، ويعمل عنده رسّامون كثيرون، أغلبهم قادم من المعسكر الإشتراكي آنذاك. حملت لوحاتي الملونة مثل دكان الأقمشة أو السكاكر وانتظرت مع غيري، في ساحة للمبنى الكبير الذي يسكنه تاجر اللوحات... حين تأمل لوحاتي وهيئتي..، سألني، لماذا لا أوقع على لوحاتي، فأجبته لأنها بمثابة الخبز، وليست مما أريد رسمه، ويمكنك أن توقع عليها بالإسم الذي تريد. فطلب مني أن أوقع بأي إسم، شريطة ألا يكون اسماً شرقياً، فقلت: "مالفا"، ووافق. فبدأ يشتري لوحاتي بسعر زهيد، وكان يهبني القماش والألوان. تركت العمل الآخر، وبدأت أرسم ليل نهار، وبجانبي "أوليفر". تعلمت منه الألمانية التي ينطق تأثراً بجارتنا العجوز، ثم أدخلته الى دار للحضانة، وراحت "جانيت" تدرس في الجامعة. خرجتُ الى الطبيعة، ورحت أرسم ما أراه مباشرة: كروم العنب، وحقول عباد الشمس. وقتها، أحسست بأنني أرسم بحرية جديدة بعيداً عن عذاب نسخ اللوحات الرديئة. وكان تاجر اللوحات مسروراً بتجربتي الجديدة، وبدأ يدفع لي سعراً أعلى للوحات التي يختارها. ثم بعت أربعة أعمال جديدة لصالة عرض صغيرة، وقد عرضها صاحب الصالة في المهرجان السنوي للفنون في مدينة "فرانكفورت". بعدها بأيام، حضر الى فيينا، رجل امريكي عجوز، إسمه "هربرت أرنوت"، أظهر حزنه، عندما رأى المكان الذي أعيش فيه، والحالة الفقيرة التي كانت تعيشها أسرتي الصغيرة، وقال بحرارة: منذ الآن، أريدك أن تكون إبني الثاني بعد "بيتر"، وكل ما ترسمه بعد الآن، ترسله الى عنواني في نيويورك. دفع لي ثلاثة آلاف دولار، وذهب... ![]() اشتريت بهذا المبلغ الكبير كمية كبيرة من الألوان والقماش، وحاملة لوحات. اشتريت كل ما كنت أتمناه، وكل ما كنت أحبه من مواد الرسم... وبدأت أخرج كل يوم الى الطبيعة والحدائق، أبحث عن منظر يشدني... كنت أتأمل كل شيء وبسرعة عجيبة، كنت أرسم، قبل أن يغير الضوء المشهد الذي كنت أحتويه، بعيني وبعشق كبير وحب. تعلمت تفاصيل الأشياء وحركتها، تعلمت كيف يكون اللون مشبعاً بالضوء والغبار ورائحة الأشياء... كنت أتأمل حقول شقائق النعمان، بجوع كبير، وكأنني أسكن مكان ولادتي... أخذتني الطبيعة بسرها الكبير، ومنحتني آفاقاً جديدة للتعبير... بعد سنة، اشتريت قطعة أرض صغيرة في منطقة فيينا الثانية والعشرين، والواقعة على أطراف العاصمة، من جهة الدانوب. "ساره" كانت طفلتنا الثانية، بعد "أوليفر". كنت متمدداً على عشب الأرض، قبل توقيع عقد الشراء..، فقالت "جانيت": "أريد تسجيل الأرض بإسمي فقط..."، فسألتها عن السبب، واقترحت بأن يكون بإسمينا معاً، فقالت: "حتى لا ترسل يوما ًما في طلب أهلك زيارة لنا، لأني لن أقبل بأن يسكنوا عندي في البيت، ولن أرضى بأن يكون لأطفالي، أقارب فقراء مثل أهلك...". قالت ذلك، بثقة وكبرياء، لم اعهدهما منها، من قبل. فوجئت بذلك، وهي تعرف بأن أحداً من اهلي لا يعرف، بعد، أين نحن، وماذا حدث بعد رحيلنا من بيروت، وأنا أعرف بأنهم ينتحبون طوال الوقت. لم أكتب أية رسائل، لأي أحد، خشية معرفة مكان إقامتي، ولم أفكر يوماً بأن أطلب من أهلي أن يغادروا مكان سكناهم، ألا تكفيني غربتي وحدي؟. - "لا أثق بما تقول"، ردت بعصبية. حاولت ضربها، لكن لم أفعل، خوفاً من بكاء أطفالي، مثل طفولتي مع الوالد، وخوفاً من الشرطة التي كانت سترمي بي، ببساطة، خارج حدود النمسا، مثل موظف الضرائب الذي كان يهددني دائماً، إن لم أدفع الضريبة كاملةً، بأنه سيعيد إليّ جواز سفري، ويرحِّلني إلى بيروت... كنت أدفع أكثر من 40% من دخلي ضريبة لخزينة الدولة... كما هو اليوم. في المساء، بعد أن ذهبت "جانيت" مع الأطفال الثلاثة، ذهبت إلى البيت، فكانت ثيابي وأدوات مرسمي، مرميةً خارج البيت. حاولت طويلاً وبهدوء معها أن تفتح لي الباب، لكن، دون فائدة. فحملت متاعي المرمي، وذهبت إلى حديقة، نمت فيها تلك الليلة. ومضت أيام، وأنا أعرف تجربة الحدائق ورائحة التراب الرطب.. إلى أن استأجرت مرسماً على سقف بناية قديمة. كان السقف الخشبي مهجوراً، تسكنه الريح وأعشاش الطيور المهاجرة مثلي... ويُستخدم لنشر الثياب المغسولة. اشتقت إلى أطفالي، رجوت "جانيت" بأن أراهم أو أخرج معهم، لكنها، ظلت أكثر قسوةً من قبل، وكانت تصرخ من داخل البيت: "سأجعل منك كلباً بعد اليوم، وإن لم أُعِدك إلى سوريا، فلن يكون أسمي "جانيت" بعد اليوم...". كان ذلك كثيراً بالنسبة لي، وتم انفصالنا عن طريق المحكمة، التي أقرَّت بحقّي في رؤية أطفالي مرةً في الأسبوع، مقابل أن أدفع لهم مبلغاً محدداً من راتبي نهاية كل شهر... لم توافق "جانيت"، فكنت أذهب إلى الحيّ الذي يسكنون فيه، وأتأملهم من زاوية الشارع حين خروجهم أو دخولهم البيت، وبعد توسّط من الراهب "أيدين" وافقت أخيراً على زيارتي للأطفال مرة كل أسبوع... ومضت الأيام، كانت "جانيت" تعمل في بار ليلي، وتترك الأطفال بمفردهم في البيت ليلاً... ![]() حصلت على الجنسية النمساوية، وكذلك "جانيت" والأطفال؛ بدأت أبني على الأرض التي اشتريتها بقرض من البنك، وبيديّ، وضعت حجرة تلو الأخرى، بدأ القبو يكتمل ببطء، ثم سكنت فيه بدلاً عن المرسم الذي اتأجرته. كان الوقت شتاءً، وكان القبو بارداًً، ولم تكن نوافذه الصغيرة مغلقةً بعد، سوى بطبقة من البلاستيك الشفاف، وكذلك الباب، فسقطت مريضاً. كان الجيران يجلبون لي الدواء والشاي... بعدها، ذهبت كالعادة، لزيارة أطفالي نهاية الأسبوع، لكنني هذه المرة لم أسمع صوتاً، ولم يُفتح الباب، إلى أن خرجت جارتنا العجوز، وقالت: "جانيت" وأولادها سافروا سافروا إلى أمريكا. هذا كل ما أستطيع قوله لك، يا بني، أنا آسفة، وأغلقت الباب. ماذا أحكي لك؟.. لقد كان أطفالي كل ما أملكه، كانوا عزاءً لاغترابي، ملامحهم... حركاتهم... رائحتهم... نزلت إلى الشارع مثل طفل يتيم، لم أعرف ماذا أفعل غير البكاء. وتمر الشهور، تذكرت بأن "أوليفر" صارحني يوماً بأن والدته كانت تلتقي مع عازف قيثار أمريكي، وتريد السفر معه إلى أمريكا يوماً ما، لم أكن وقتها، أصدِّق هذا الاحتمال. عدت أكمل بناء البيت، وأرسم. كانت شهوراً لا يمكن وصفها، كانت أيام انتحار بطيء. رسمت فيها مجموعة "الغرباء"، لم يتبقَّ من أطفالي سوى بضعة صور، والذكريات التي كانت تجعلني أنزف من داخلي كل يوم؛ بعد سفرهم بنصف سنة، وصلني إشعار من محامية تعمل في محكمة "فيينا" للشؤون العائلية، فيه رقم حساب بنكي في مدينة "لوس أنجلوس"، في ولاية "كاليفورنيا"، بأنه يتوجب عليَّ تحويل ألف دولار أمريكي شهرياً إلى ذلك الرقم، إلى حين بلوغ الأطفال سن الثامنة عشرة، وقد فعلت ذلك طيلة تلك السنوات. لم أكن أملك سوى هذا الرقم، وعنوان البنك، لاشيء غير ذلك. سافرت إلى هناك مرتين دون جدوى، حاولت بكل الطرق الحصول على أية إشارة عنهم، أو أية معلومة صغيرة، وإلى هذا اليوم لازلت أنتظر... ولازلت أهرب من الذاكرة، من رؤية صورهم القديمة، لقد كبروا حتماً، وهل سأراهم يوماً ما؟.. ![]() انتهيت من البناء، وبعت البيت، لأنني لم أتحمل السكن فيه، لأنني بنيته لأطفالي، ثم سجّلت بقيمته وبأسمائهم الثلاثة، ثلاثة دفاتر ادّخار، حوّلتها عن طريق المحكمة إلى رقم حساب في أمريكا؛ لم يكن بجانبي سوى امرأة نمساوية "جابرييلا". سكنتُ عندها، ثم اشتريت قطعة أرض جديدة على رأس جبل يُطّل على مدينة "فيينا". "كلوسترنيوبورغ"، وبنيت ثانيةً، أردتُ أطفالاً منها، فأنجبت "جابرييلا"، "نوره" و"أفين". أمضيت معهم في ذلك البيت إثنتي عشر عاماً، ثم سافرت إلى إسبانيا، أبحث عن مكان أكثر دفئاً، وتاركاً البيت بأكمله لهم. كانت "جابرييلا" أماً نبيلة، منظمة حسب طريقتها النمساوية، لكنها لم تكن تحبني. كانت تفعل كل ما هو واجب عليها لي ولطفلتينا؛ في إسبانيا، حصلت على بيت قديم مطلّ على البحر في منطقة "كوستابرافا"، لكنني تركته بعد عامين، لأنني لم أستطع الحياة فيه بعيداً عن "نوره وأفين"، كما تعرّض البيت أكثر من مرة للسرقة، كلما عدت إلى "فيينا"، لرؤية طفلتيّ العزيزتين... عدتُ إلى "فيينا"، تاركاً إسبانيا وشمسها ولغتها الصعبة، واشتريت هذا البيت الذي أسكنه الآن مع "سيلفيا"، المرأة التي أحببتها وأحبتني طوال هذه السنوات. "سيلفيا" تفعل كل ما أريده، وهي دارسة لتاريخ الفن، ورسّامة، وتعرف كيف يكون الفنان في حالاته الصعبة. شاركتني في كل التفاصيل الصعبة التي مررت بها، في سفري ومعارضي، عذاباتي وشرقيتي، وإدارة كافة شؤوني الفنية والحياتية من رسائل وأرشيف وضرائب... الخ، وكل شيء من أجل أن أرسم... لكن الخوف اليقظ لم يمت في داخلي، ظلَّ يأتي شوقاً يغلفني كل مساء، ويسرقني إلى اللحظات التي فقدت فيها أطفالي، لوحاتي، ملامح أمي الكبيرة ببساطتها وعمقها ووجع ركبتيها المتزايد، وابتسامتها البريئة إلى والدي الأكثر هدوءا ًمن قبل، بصمته وتجربته الكبيرة في الحياة، إلى إخوتي جميعاً، بعد أن كبروا وحملوا اختصاصات هامة، ثم تزوجوا، إلى أطفالهم، إلى أصدقائي جميعاً من شعراء وفنانين، موزعين في كل أنحاء العالم... هكذا، يمضي الزمن، وأظلّ أحلم بالشمس وبوجه رغيف الخبز الساخن الخارج للتوّ من التنور. أحلم بمكان أودع فيه جسدي وحيداً، مكاناً تخرج منه رائحة الغنم والدجاج والزعتر، مكاناً أعرف حدوده وتضاريسه، كلما نظرت إلى وجهي في المرآة... كل صباح، حين أواجه المساحة البيضاء في مرسمي، يستحضرني الوطن، وأقنع نفسي بالانتماء ولعبة الزمن، لكن، وطني لا يزال مرسوماً، أسكنه بصمت. كنتُ وحيداً مثل الكلمات والأنهار التي تخترق مفاصل المدن الكبرى، الحقول والوديان، قبل أن تصبَّ في بحر كبير... لم تعد المدن وزحام الناس، أو أمكنة القتل والإرهاب، تعذبني، أو تثير اهتمامي كما كان من قبل. أتأمل لوحاتي، وأسمع موسيقاي، وأعرف كيف يكون الفن مَخْبأًً، هروباً من الذات، وكيف يكون موتاً يقترب من الواقع، وكيف يكون وطناً لم أتمكن من التعرف عليه بعد!.. (إيه... أيها الزمن، أعرف كيف يكون الفن لوناً يتحول إلى دمٍ. وبهذا الدم، لازلتُ أرسم وردةً بيضاء). بعد ستة عشر عاماً من الاغتراب، وصلتني دعوة رسمية من وزارة الإعلام السورية، كضيف شرف على مهرجان المحبة والسلام الأول في اللاذقية... بكيتُ، حين لمحت عيناي الحدود السورية عبر نافذة الطائرة، أخيراً... في المطار كان أهلي وحشد كبير في انتظاري. التقيت بأهلي بعد كل هذا الغياب في اللاذقية، ثم في دمشق؛ شاركت في المهرجان بأربعة أعمال من القياسات الكبيرة؛ كانت أياماً غنية، وأبدت أجهزة الإعلام اهتماماً خاصاً بزيارتي تلك، عدت بعد أسبوعين إلى "فيينا"، منتظراً الوعود التي قُدِّمت لي بمنحي جواز سفر سوري، وحلّ المشكلة المعلقة منذ هروبي من الجيش... ثم، سافرت مجدداً إلى سوريا، لأقيم معرضاً في مكتبة الأسد بدشق، ثم معرضاً آخر في غاليري "أتاسي". وتجولت مع أخي "عصام" مثل سائح أجنبي، يتعرف على معالم سوريا الهامة. سافرنا إلى الساحل السوري، وأُعجبت بطبيعته الساحرة، واشتريت قطعة أرضٍ، في منطقة خلابة، صخورها بيضاء، وماء بحرها بلون "التوركيز". وبدأت بالإجراءات القانونية الرسمية وتقديم الأوراق إلى الجهات المختصة للحصول على الموافقة لبناء متحف، يضم المقتنيات الخاصة من الفن السوري المعاصر، على هذه الأرض. لكن، استولى الجيش عليها، وبدون تعويضي. فأقرَّت الجهات العليا الرسمية، بمنحي أرضاً بديلة لإقامة هذا المشروع الحضاري، والذي أردته أن يكون محطة متميزة للفن السوري، وعلى كامل نفقتي، على أن تبقى هذه الأرض، وهذا المتحف ملكاً للدولة؛ وبعد تحضير المخططات الهندسية من قبل واحد من أهم مهندسي العالم "ريخارد ماير"، وإتمام الإجراءات الورقية، والدخول في متاهات المكاتب، والسفر المتكرر، تقرر البناء على هذه الأرض الجديدة، لم تكن هذه الأرض بعيدة عن الأولى، ولسحر المكان وجماله، كنتُ سعيداً بأن أبني هناك هذا الحلم الكبير للوطن... لكن، توقف المشروع في بدايته، وخسرت الكثير، تاركاً الوطن ثانيةً، آملاً بالعودة مجدداً إلى المكان الذي اختارت فيه الأبجدية مكاناً لولادتها، والحضارة سرها. اللوحة... لا تزال عندي مساحة مربعة، مكان، فراش نوم، فراغ أبيض مليء بالزخم الحي، وبالخوف والقلق؛ كلما اقتربت منها أكثر، تلاشيتُ فيها أكثر. يبدأ هذا الفراغ بالوضوح مع أول لمسة لون، أو مسحة يد. هذا السر اللامترجم، يحمل تفاصيل قصتي... طموحاتي... ورؤيتي؛ إنها جملة من الإيحاءات بلا زمن وبلا أطر؛ هي شهادة عصر، وشهادة أرض. المرأة... جسد، لوحة، أمارس على سطحها أبجدية الحياة والموت. المرأة معبد تولد على أطلاله كل الديانات والطقوس والحروب والربيع؛ المرأة هي المكان الذي يحقق التوازن في هذا العالم الصعب. الحرب... الحرب صناعة، معمل كبير تصنع فيه سلاحاً لتقتل به نفسك. غريزة القتل موجودة في الإنسان منذ البدء، حتى أنا، حين ارسم، أتحول إلى قاتل، أقتل براءة الفراغ، وأجعل الحزن ضحية اللون. أحياناً أتصور بأن الإنسان كان خطأً كبيراً على وجه الأرض، وكلما اقترب من النهاية، ازداد خطورةً، ولهذا أرسم، أرسم من أجل امرأة، ومن أجل طفل يولد بسلام. وللأسف الشديد، فإن المناخات المتوفرة اليوم، تجعل الحروب أكثر انتشاراً وتجارةً، لأن المصالح الفردية لا تزال أهم من الشعوب، والتاريخ لا يزال يصنعه الأقوياء. ربما، في الحرب، كما في الفن، نستطيع أن نتعلم: كم هي الحياة جميلة. المستقبل... المستقبل مثل قصة حب جديدة، بلا لون، جثة تنزف في الساحات، الساحات التي يغمرها الطوفان، طوفان البشر، طوفان الاستهلاك اليومي، طوفان التلوّث... تسألني ماذا عن المستقبل، أنظر إلى بقايا التاريخ، إلى روح الصخر، إلى حوار الحضارات، إلى حركة المدن المكتظّة، إلى الأوتوسترادات الملأى بالسيارات، إلى معامل الذَرَّة، إلى شركات الأسلحة المتطورة الفتاكة، إلى طرق الإرهاب المختلفة، بدءاً من إرهاب السياسة... وإرهاب المادة... وإرهاب المواد الغذائية... إرهاب الفن... إرهاب الدين... إرهاب الثقافة... الإعلام... الاتصالات الحديثة؛ حتى الموت أصبح تجارة، مثل الاستهلاك اليومي للخبز والخضار واللحم. لا تفكر بالغد، لأنك لن تكون قادراً على التغيير، إن لم تكن واحداً من أطراف المافيا الكبيرة... المافيا الأقوى، هذه المافيا التي تكتب التاريخ كما تريد، وتسيطر على سياسات وثقافات العالم كما تريد. أنظر إلى متاحف الفن في العالم الغربي، إلى الفن الحديث، وإلى المعاصر، ما هي الأسماء التي تحتل هذه المتاحف؟ من هم الذين يُخلَّدون في المجلات الشهيرة ودور النشر؟ من هم مدراء هذه المتاحف وصالات العرض الكبيرة؟ ومن هم النقاد الذين يقررون مَنْ هو مَنْ......؟! القادم خراب... وتطرف. مع القادم صراعات كبيرة للبقاء، صراعات لها جذورها ومبرراتها بسبب الأخطاء التي ارتكبها أصحاب القرارات الكبيرة؛ الأخطاء التي أُجِّلت حلولها أمداً طويلاً، وكان ضحيتها الإنسان والحيوان والنبات على السواء. أنظر إلى هذا العالم الملتهب... لم تبكِ الأرض دماً مثل اليوم. أنظر إليَّ كيف مُتُّ أكثر من مرة... لماذا... الحياة مهزلة كبيرة... تشبه أفلام الكرتون، كل شيء ممكن فيه إلآّ الحقيقة... ![]() ![]()
__________________
ينسى الغفا عيوني إذا بنساكون
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل] |
|
#3
|
|||
|
|||
![]() ![]() زاد اي هاد بينحكا عنو (خاصة انو من عنا )مش جورج وسوف
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
هلأ هيك بدنا نشتغل اوبن مايند ...؟؟؟ من عنا و من عندكن !!!!
اي جورج وسوف من عنا ![]()
__________________
ينسى الغفا عيوني إذا بنساكون
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل] |
|
#5
|
|||
|
|||
|
رائع مالفا ..... جميل جدا ... شكرا على كل ما كتبت
|
![]() |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|